الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

مختصر الامثل

كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ » . إنّ المقصود بلقاء اللَّه هو - كما قلنا من قبل - اللقاء المعنوي والإيمان الشهودي ( الشهود الباطني ) ، أو هو لقاء مشاهد يوم القيامة والحساب والجزاء . ثم تبين الآية أنّ هذا الإنكار لن يدوم ، بل سيستمر حتى قيام يوم القيامة ، حين يرون أنفسهم فجأة أمام مشاهده الرهيبة ، ويشهدون بأعينهم نتائج أعمالهم ، عندئذ ترتفع أصواتهم بالندم على ما قصّروا في حق هذا اليوم : « حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا » . « الساعة » : هي يوم القيامة ؛ و « بغتة » : تعني فجأة وعلى حين غرّه ، إذ تقوم القيامة دون أن يعلم بموعدها أحد سوى اللَّه تعالى . ثم يقول القرآن الكريم : « وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ » . « الأوزار » : جمع « وزر » وهو الحمل الثقيل ، وتعني الأوزار هنا الذنوب ، ويمكن أن تتخذ هذه الآية دليلًا على تجسّد الأعمال ، لأنّها تقول إنّهم يحملون ذنوبهم على ظهورهم . وفي آخر الآية يقول اللَّه تعالى : « أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ » . ثم لبيان نسبة الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ، يقول اللَّه تعالى : « وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ » . فهؤلاء الذين اكتفوا بهذه الحياة ، ولا يطلبون غيرها ، هم أشبه بالأطفال الذين يودون أن لو يقضوا العمر كله في اللعب واللهو غافلين عن كل شيء . إنّ تشبيه الحياة الدنيا باللهو واللعب يستند إلى كون اللهو واللعب من الممارسات الفارغة السطحية التي لا ترتبط بأصل الحياة الحقيقية ، سواء فاز اللاعب أم خسر ، إذ كل شيء يعود إلى حالته الطبيعية بعد اللعب . ثم تقارن الآية حياة العالم الآخر بهذه الدنيا ، فتقول : « وَلَلدَّارُ الْأَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . فتلك حياة خالدة لا تفنى في عالم أوسع وعلى مستوىً أرفع ، عالم يتعامل مع الحقيقة لا المجاز ومع الواقع لا الخيال . قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) المصلحون يواجهون الصعاب دائماً : لا شك أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في نقاشاته المنطقية ومحاوراته الفكرية مع المشركين المعاندين المتصلّبين ، كان يواجه منهم المعاندة واللجاجة